فصل: تفسير الآيات رقم (1- 2)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير النسفي المسمى بـ «مدارك التنزيل وحقائق التأويل» ***


سورة إبراهيم

مكية‏:‏ اثنتان وخمسون آية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ‏(‏1‏)‏ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ‏(‏2‏)‏ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏آلر كِتَابٌ‏}‏ هو خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب يعني السورة، والجملة التي هي ‏{‏أنزلناه إِلَيْكَ‏}‏ في موضع الرفع صفة للنكرة ‏{‏لِتُخْرِجَ الناس‏}‏ بدعائك إياهم ‏{‏مِنَ الظلمات إِلَى النور‏}‏ من الضلالة إلى الهدى ‏{‏بِإِذْنِ رَبّهِمْ‏}‏ بتيسيره وتسهيله مستعار من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب وذلك ما يمنحهم من التوفيق ‏{‏إلى صراط‏}‏ بدل من ‏{‏النور‏}‏ بتكرير العامل ‏{‏العزيز‏}‏ الغالب بالانتقام ‏{‏الحميد‏}‏ المحمود على الإنعام ‏{‏الله‏}‏ بالرفع مدني وشامي على هو «الله» وبالجر غيرهما على أنه عطف بيان للعزيز الحميد ‏{‏الذى لَهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض‏}‏ خلقاً وملكاً‏.‏ ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل وهو نقيض الوأل وهو النجاة وهو اسم معنى كالهلاك فقال‏:‏ ‏{‏وَوَيْلٌ للكافرين مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ‏}‏ وهو مبتدأ وخبر، وصفة ‏{‏الذين يَسْتَحِبُّونَ‏}‏ يختارون ويؤثرون ‏{‏الحياة الدنيا عَلَى الأخرة وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله‏}‏ عن دينه ‏{‏وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا‏}‏ يطلبون لسبيل الله زيغا واعوجاجاً والأصل ويبغون لها فحذف الجار وأوصل الفعل‏.‏ ‏{‏الذين‏}‏ مبتدأ خبره ‏{‏أُوْلَئِكَ فِى ضلال بَعِيدٍ‏}‏ عن الحق‏.‏ ووصف الضلال بالبعد من الإسناد والمجازي والبعد في الحقيقة للضال لأنه هو الذي يتباعد عن طريق الحق فوصف به فعله كما تقول جد جده، أو مجرور صفة للكافرين، أو منصوب على الذم أو مرفوع على أعني الذين أوهم الذين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 5‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏4‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ‏}‏ إلا متكلماً بلغتهم ‏{‏لِيُبَيّنَ لَهُمْ‏}‏ ما هو مبعوث به وله فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولون له‏:‏ لم نفهم ما خوطبنا به‏.‏ فإن قلت‏:‏ إن رسولنا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس جميعاً بقوله ‏{‏قُلْ يا أَيُّهَا الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 158‏]‏ بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة قلت‏:‏ لا يخلو ما إن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها فلا

حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل فتعين أن ينزل بلسان واحد، وكان لسان قومه أولى بالتعيين لأنهم أقرب إليه ولأنه أبعد من التحريف والتبديل ‏{‏فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاء‏}‏ من آثر سبب الضلالة ‏{‏وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ‏}‏ من آثر سبب الاهتداء ‏{‏وَهُوَ العزيز‏}‏ فلا يغالب على مشيئته ‏{‏الحكيم‏}‏ فلا يخذل إلا أهل الخذلان ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا‏}‏ التسع ‏{‏أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ‏}‏ بأن أخرج أو أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول كأنه قيل‏:‏ أرسلناه وقلنا له أخرج قومك ‏{‏مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله‏}‏ وأنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم قوم نوح وعاد وثمود، ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها أو بأيام الإنعام حيث ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وفلق لهم البحر ‏{‏إِنَّ فِى ذلك لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ‏}‏ على البلايا ‏{‏شَكُورٍ‏}‏ على العطايا كأنه قال لكل مؤمن إذ الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 7‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ‏(‏6‏)‏ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب‏}‏ «إذ» ظرف للنعمة بمعنى الإنعام أي إنعامه عليكم ذلك الوقت، أو بدل اشتمال من نعمة الله أي اذكروا وقت إنجائكم ‏{‏وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ‏}‏ ذكر في البقرة ‏{‏يذبحون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 49‏]‏ وفي الأعراف ‏{‏يقتلون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 141‏]‏ بلا واو، وهنا مع الواو‏.‏ والحاصل أن التذبيح حيث طرح الواو جعل تفسيراً للعذاب وبياناً له، وحيث أثبت الواو جعل التذبيح من حيث إنه زاد على جنس العذاب كأنه جنس آخر ‏{‏وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِى ذلكم بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ‏}‏ الإشارة إلى العذاب والبلاء المحنة أو إلى الإنجاء والبلاء النعمة‏.‏ ‏{‏وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 35‏]‏ ‏{‏وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ‏}‏ أي آذن ونظير «تأذن» و«آذن» توعد وأوعد‏.‏ ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل كأنه قيل‏:‏ وإذ آذن ربكم إيذاناً بليغاً تنتفي عنده الشكوك والشبه وهو من جملة ما قال موسى لقومه، وانتصابه للعطف على ‏{‏نعمة الله عليكم‏}‏ كأنه قيل‏:‏ وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم والمعنى وإذ تأذن ربكم فقال‏:‏ ‏{‏لَئِن شَكَرْتُمْ‏}‏ يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها ‏{‏لأَزِيدَنَّكُمْ‏}‏ نعمة إلى نعمة فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود وقيل‏:‏ إذا سمعت النعمة نغمة الشكر تأهبت للمزيد‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لئن شكرتم بالجد في الطاعة لأزيدنكم بالجد في المثوبة ‏{‏وَلَئِن كَفَرْتُمْ‏}‏ ما أنعمت به عليكم ‏{‏إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ‏}‏ لمن كفر نعمتي، أما في الدنيا فسلب النعم وأما في العقبى فتوالى النقم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 10‏]‏

‏{‏وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ‏(‏8‏)‏ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ‏(‏9‏)‏ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ‏}‏ يا بني إسرائيل ‏{‏وَمَن فِى الأرض جَمِيعاً‏}‏ والناس كلهم ‏{‏فَإِنَّ الله لَغَنِىٌّ‏}‏ عن شكركم ‏{‏حَمِيدٌ‏}‏ وإن لم يحمده الحامدون وأنتم ضررتم أنفسكم حيث حرمتموها الخير الذي لا بد لكم منه ‏{‏أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ‏}‏ من كلام موسى لقومه أو ابتداء خطاب لأهل عصر محمد عليه السلام ‏{‏والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله‏}‏ جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضاً، أو عطف ‏{‏الذين من بعدهم‏}‏ على ‏{‏قوم نوح‏}‏ و‏{‏لا يعلمهم إلا الله‏}‏ اعتراض، والمعنى أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون‏.‏ ورُوى أنه عليه السلام قال عند نزول هذه الآية‏:‏ كذب النسابون ‏{‏جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات‏}‏ بالمعجزات ‏{‏فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ‏}‏ الضميران يعودان إلى الكفرة أي أخذوا أناملهم بأسنانهم تعجباً أو عضوا عليها تغيظاً، أو الثاني يعود إلى الأنبياء أي رد القوم أيديهم في أفواه الرسل كيلا يتكلموا بما أرسلوا به ‏{‏وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ‏}‏ من الإيمان بالله والتوحيد ‏{‏مُرِيبٍ‏}‏ موقع في الريبة ‏{‏قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى الله شَكٌّ‏}‏ أدخلت همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وهو جواب قولهم ‏{‏وإنا لفي شك‏}‏ ‏{‏فَاطِرِ السموات والأرض يَدْعُوكُمْ‏}‏ إِلَى الإيمان ‏{‏لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ‏}‏ إِذا آمنتم ولم تجيء مع «من» إلا في خطاب الكافرين كقوله‏:‏ ‏{‏واتقوه وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 4، 3‏]‏ ‏{‏ياقومنا أَجِيبُواْ دَاعِىَ الله وَءامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ‏}‏ ‏[‏الاحقاف‏:‏ 31‏]‏ وقال في خطاب المؤمنين‏:‏ ‏{‏هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة‏}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 11، 10‏]‏ وغير ذلك مما يعرف بالاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد ‏{‏وَيُؤَخّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ إلى وقت قد سماه وبين مقداره‏.‏

‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي القوم ‏{‏إِنْ أَنتُمْ‏}‏ ما أنتم ‏{‏إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا‏}‏ لا فضل بيننا وبينكم ولا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة دوننا ‏{‏تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا‏}‏ يعني الأصنام ‏{‏فَأْتُونَا بسلطان مُّبِينٍ‏}‏ بحجة بينة وقد جاءتهم رسلهم بالبينات، وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتاً ولجاجا

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 12‏]‏

‏{‏قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏11‏)‏ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ‏}‏ تسليم قولهم إنهم بشر مثلهم ‏{‏ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ بالإيمان والنبوة كما منّ علينا ‏{‏وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بسلطان إِلاَّ بِإِذْنِ الله‏}‏ جواب لقولهم‏:‏ ‏{‏فأتونا بسلطان مبين‏}‏ والمعنى أن الإتيان بالآية التي قد اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى ‏{‏وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون‏}‏ أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكل وقصدوا به أنفسهم قصداً أولياً كأنهم قالوا‏:‏ ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وإيذائكم ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله‏}‏ معناه وأي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه ‏{‏وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا‏}‏ وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه وهو التوفيق لهداية كل منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين قال أبو تراب‏:‏ التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والشكر عند العطاء والصبر عند البلاء ‏{‏وَلَنَصْبِرَنَّ على مَا آذَيْتُمُونَا‏}‏ جواب قسم مضمر أي حلفوا على الصبر على أذاهم وأن لا يمسكوا عن دعائهم ‏{‏وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون‏}‏ أي فليثبت المتوكلون على توكلهم حتى لا يكون تكرارا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 16‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ‏(‏13‏)‏ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ‏(‏14‏)‏ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ‏(‏15‏)‏ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ‏}‏ ‏{‏سبْلنا‏}‏ ‏{‏لرسْلهم‏}‏ أبو عمرو ‏{‏لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا‏}‏ من ديارنا ‏{‏أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا‏}‏ أي ليكونن أحد الأمرين إخراجكم أو عودكم وحلفوا على ذلك والعود بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن معه فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد ‏{‏فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين‏}‏ القول مضمر أو أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه ‏{‏وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ‏}‏ أي أرض الظالمين وديارهم‏.‏ في الحديث‏:‏ «من آذى جاره ورثه الله داره» ‏{‏ذلك‏}‏ الإهلاك والإسكان أي ذلك الأمر حق ‏{‏لِمَنْ خَافَ مَقَامِي‏}‏ موقفي وهو موقف الحساب أو المقام مقحم أو خاف قيامي عليه بالعلم كقوله‏:‏ ‏{‏أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 33‏]‏ والمعنى أن ذلك حق للمتقين ‏{‏وَخَافَ وَعِيدِ‏}‏ ‏{‏عذابي‏}‏ وبالياء يعقوب ‏{‏واستفتحوا‏}‏ واستنصروا الله على أعدائهم وهو معطوف على أوحى إليهم ‏{‏وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ‏}‏ وخسر كل متكبر بطر ‏{‏عَنِيدٍ‏}‏ مجانب للحق‏.‏ معناه فنصروا وظفروا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم وقيل‏:‏ الضمير للكفار ومعناه واستفتح الكفار على الرسل ظناً منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل وخاب كل جبار عنيد منهم ولم يفلح باستفتاحه ‏{‏مِّن وَرَآئِهِ‏}‏ من بين يديه ‏{‏جَهَنَّمُ‏}‏ وهذا وصف حاله وهو في الدنيا لأنه مرصد لجهنم فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حيث يبعث ويوقف ‏{‏ويسقى‏}‏ معطوف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى ‏{‏مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ‏}‏ ما يسيل من جلود أهل النار، و‏{‏صديد‏}‏ عطف بيان لماء لأنه مبهم فبين بقوله ‏{‏صديد‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 19‏]‏

‏{‏يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ‏(‏17‏)‏ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ‏(‏18‏)‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏يَتَجَرَّعُهُ‏}‏ يشربه جرعة جرعة ‏{‏وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ‏}‏ ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة كقوله‏:‏ ‏{‏لم يكد يراها‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 40‏]‏ أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها ‏{‏وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ‏}‏ أي أسباب الموت من كل جهة أو من كل مكان من جسده وهذا تفظيع لما يصيبه من الآلام أي لو كان ثمة موت لكان كل واحد منها مهلكاً ‏{‏وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ‏}‏ لأنه لو مات لاستراح ‏{‏وَمِن وَرَائِهِ‏}‏ ومن بين يديه ‏{‏عَذَابٌ غَلِيظٌ‏}‏ أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشد مما قبله وأغلظ‏.‏ وعن الفضيل هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد‏.‏

‏{‏مَثَلُ الذين‏}‏ مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليكم مثل الذين ‏{‏كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ‏}‏ والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله ‏{‏أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ‏}‏ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول‏:‏ كيف مثلهم فقيل أعمالهم كرماد ‏{‏اشتدت بِهِ الريح‏}‏ ‏{‏الرياح‏}‏ مدني ‏{‏فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ‏}‏ جعل العصف لليوم وهو لما فيه وهو الريح كقولك‏:‏ «يوم ماطر»، وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل للأضياف وغير ذلك شبهها في حبوطها لبنائها على غير أساس وهو الإيمان بالله تعالى برماد طيرته الريح العاصف ‏{‏لاَّ يَقْدِرُونَ‏}‏ يوم القيامة ‏{‏مِمَّا كَسَبُواْ‏}‏ من أعمالهم ‏{‏على شَيْءٍ‏}‏ أي لا يرون له أثراً من ثواب كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء ‏{‏ذلك هُوَ الضلال البعيد‏}‏ إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب ‏{‏أَلَمْ تَرَ‏}‏ ألم تعلم الخطاب لكل أحد ‏{‏أَنَّ الله خَلَقَ السماوات والأرض‏}‏ ‏{‏خالق‏}‏ مضافاً حمزة وعلي ‏{‏بالحق‏}‏ بالحكمة والأمر العظيم ولم يخلقها عبثاً ‏{‏إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ‏}‏ أي هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقاً آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم إعلاماً بأنه قادر على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 21‏]‏

‏{‏وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ‏(‏20‏)‏ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ‏}‏ بمتعذر‏.‏

‏{‏وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا‏}‏ ويبرزون يوم القيامة وإنما جيء به بلفظ الماضي لأن ما أخبر به عز وجل لصدقه كأنه قد كان ووجد‏.‏ ونحوه ‏{‏وَنَادَى أصحاب الجنة‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 44‏]‏ ‏{‏ونادى أصحاب النار‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 50‏]‏ وغير ذلك، ومعنى بروزهم لله والله تعالى لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز لهم أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا تخفى عليه خافية، أو خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه ‏{‏فَقَالَ الضعفاء‏}‏ في الرأي وهم السفلة والأتباع وكتب الضعفاء بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ‏{‏لِلَّذِينَ استكبروا‏}‏ وهم السادة والرؤساء الذين استغووهم وصدوهم عن الاستماع إلى الأنبياء وأتباعهم ‏{‏إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا‏}‏ تابعين‏.‏ جمع تابع على تبع كخادم وخدم وغائب وغيب أو ذوي تبع والتبع الأتباع يقال‏:‏ تبعه تبعاً ‏{‏فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ‏}‏ فهل تقدرون على دفع شيء مما نحن فيه‏.‏ و«من» الأولى للتبيين والثانية للتبعيض كأنه قيل فهل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو هما للتبعيض أي فهل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ولما كان قول الضعفاء توبيخاً لهم وعتاباً على استغوائهم لأنهم علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم ‏{‏قَالُواْ‏}‏ لهم مجيبين معتذرين ‏{‏لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ‏}‏ أي لو هدانا الله إلى الإيمان في الدنيا لهديناكم إليه أو لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم أي لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة ‏{‏سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا‏}‏ مستويان علينا الجزع والصبر والهمزة وأم للتسوية‏.‏ روى أنهم يقولون في النار تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم الجزع فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم الصبر ثم يقولون ‏{‏سواء علينا أجزعنا أم صبرنا‏}‏ واتصاله بما قبله من حيث إن عتابهم لهم كان جزعاً مما هم فيه فقالوا لهم‏:‏ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا يريدون أنفسهم وإياهم لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها يقولون‏:‏ ما هذا الجزع والتوبيخ ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر ‏{‏مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ‏}‏ منجى ومهرب جزعنا أم صبرنا، ويجوز أن يكون هذا من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر‏}‏ حكم بالجنة والنار لأهليهما وفرغ من الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ورُوي أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً‏.‏ على منبر من نار فيقول لأهل النار ‏{‏إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق‏}‏ وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم ‏{‏وَوَعَدتُّكُمْ‏}‏ بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء ‏{‏فَأَخْلَفْتُكُمْ‏}‏ كذبتكم ‏{‏وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان‏}‏ من تسلط واقتدار ‏{‏إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ‏}‏ لكني دعوتكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني والاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السلطان ‏{‏فاستجبتم‏}‏ فأسرعتم إجابتي ‏{‏فَلاَ تَلُومُونِي‏}‏ لأن من تجرد للعداوة لا يلام إذا دعا إلى أمر قبيح مع أن الرحمن قد قال لكم‏:‏ ‏{‏لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة‏}‏ ‏{‏‏[‏الأعراف‏:‏ 27‏]‏ ‏{‏وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ‏}‏ حيث اتبعتموني بلا حجة ولا برهان وقول المعتزلة هذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين باطل لقوله‏:‏ لو هدانا الله أي إلى الإيمان ‏{‏لهديناكم‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 21‏]‏ كما مر ‏{‏مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ‏}‏ لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه‏.‏ والإصراخ الإغاثة ‏{‏بمصرخيِّ‏}‏ حمزة اتباعاً للخاء غيره بفتح الياء لئلا تجتمع الكسرة والياءان بعد كسرتين وهو جمع مصرخ فالياء الأولى يا الجمع والثانية ضمير المتكلم ‏{‏إِنّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ‏}‏ وبالياء بصري و«ما» مصدرية ‏{‏مِن قَبْلُ‏}‏ متعلق ب ‏{‏أشركتموني‏}‏ أي كفرت اليوم بإشراككم إياي مع الله من قبل هذا اليوم أي في الدنيا كقوله ‏{‏ويوم القيامة يكفرون بشرككم‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 14‏]‏ ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له كقوله‏:‏ ‏{‏أَنَاْ بَرَاء مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏ 4‏]‏ أو من قبل متعلق ‏{‏بكفرت‏}‏ و«ما» موصولة أي كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل‏.‏ تقول‏:‏ أشركني فلان أي جعلني له شريكاً، ومعنى إشراكهم الشيطان بالله طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وهذا آخر قول الشيطان وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ قول الله عز وجل‏.‏ وقيل‏:‏ هو من تمام إبليس وإنما حكى الله عز وجل ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون لطفاً للسامعين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 24‏]‏

‏{‏وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ‏(‏23‏)‏ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏وَأُدْخِلَ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا‏}‏ عطف على ‏{‏برزوا‏}‏ ‏{‏بِإِذْنِ رَبّهِمْ‏}‏ متعلق ب ‏{‏أدخل‏}‏ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره ‏{‏تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام‏}‏ هو تسليم بعضهم على بعض في الجنة أو تسليم الملائكة عليهم ‏{‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً‏}‏ أي وصفه وبينه ‏{‏كَلِمَةً طَيّبَةً‏}‏ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ‏{‏كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ‏}‏ وهو تفسير لقوله‏:‏ ‏{‏ضرب الله مثلاً‏}‏ نحو شرف الأمير زيداً كساه حلة وحمله على فرس، أو انتصب ‏{‏مثلا‏}‏ ً و‏{‏كلمة‏}‏ ب ‏{‏ضرب‏}‏ أي ضرب كلمة طيبة مثلاً يعني جعلها مثلاً ثم قال ‏{‏كشجرة طيبة‏}‏ على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة طيبة ‏{‏أَصْلُهَا ثَابِتٌ‏}‏ أي في الأرض ضارب بعروقه فيها ‏{‏وَفَرْعُهَا‏}‏ وأعلاها ورأسها ‏{‏فِي السماء‏}‏ والكلمة الطيبة كلمة التوحيد أصلها تصديق بالجنان، وفرعها إقرار باللسان، وأكلها عمل الأركان، وكما أن الشجرة شجرة وإن لم تكن حاملاً فالمؤمن مؤمن وإن لم يكن عاملاً ولكن الأشجار لا تراد إلا للثمار فما أقوات النار إلا من الأشجار إذا اعتادت الإخفار في عهد الأثمار‏.‏ والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين ونحو ذلك والجمهور على أنها النخلة، فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم‏:‏ «إن الله تعالى ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي‏؟‏» فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبياً فوقع في قلبي أنها النخلة فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا أصغر القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ألا إنها النخلة» فقال عمر‏:‏ يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر النعم

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 27‏]‏

‏{‏تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏(‏25‏)‏ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ‏(‏26‏)‏ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ‏}‏ تعطي ثمرها كل وقت وقتها الله لإثمارها ‏{‏بِإِذْنِ رَبّهَا‏}‏ بتيسير خالقها وتكوينه ‏{‏وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏ لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني‏.‏

‏{‏وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ‏}‏ هي كلمة الكفر ‏{‏كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ‏}‏ هي كل شجرة لا يطيب ثمرها وفي الحديث‏:‏ أنها شجرة الحنظل ‏{‏اجتثت مِن فَوْقِ الأرض‏}‏ استؤصلت جثتها وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها وهو في مقابلة ‏{‏أصلها ثابت‏}‏ ‏{‏مَا لَهَا مِن قَرَارٍ‏}‏ أي استقرار يقال قر الشيء قراراً كقولك ثبت ثبوتاً، شبه بها القول الذي لا يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت ‏{‏يُثَبِّتُ الله الذين ءَامَنُواْ‏}‏ أي يديمهم عليه ‏{‏بالقول الثابت‏}‏ هو قول «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ‏{‏في الحياة الدنيا‏}‏ حتى إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود وغير ذلك ‏{‏وَفِي الآخرة‏}‏ الجمهور على أن المراد به في القبر بتلقين الجواب وتمكين الصواب، فعن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال‏:‏ ‏"‏ ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك‏؟‏ فيقول‏:‏ ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله ‏{‏يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت‏}‏ ثم يقول الملكان‏:‏ عشت سعيداً ومت حميداً نم نومة العروس ‏"‏ ‏{‏وَيُضِلُّ الله الظالمين‏}‏ فلا يثبتهم على القول الثابت في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شيء وهم في الآخرة أضل وأزل ‏{‏وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاء‏}‏ فلا اعتراض عليه في تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 31‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ‏(‏28‏)‏ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ‏(‏29‏)‏ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ‏(‏30‏)‏ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله‏}‏ أي شكر نعمة الله ‏{‏كُفْراً‏}‏ لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفراً، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلاً وهم أهل مكة، كرمهم بمحمد عليه السلام فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر ‏{‏وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ‏}‏ الذين تابعوهم على الكفر ‏{‏دَارَ البوار‏}‏ دار الهلاك ‏{‏جَهَنَّمَ‏}‏ عطف بيان ‏{‏يَصْلَوْنَهَا‏}‏ يدخلونها ‏{‏وَبِئْسَ القرار‏}‏ وبئس المقر جهنم ‏{‏وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا‏}‏ أمثالا في العبادة أو في التسمية ‏{‏لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ‏}‏ وبفتح الياء‏:‏ مكي وأبو عمرو ‏{‏قُلْ تَمَتَّعُواْ‏}‏ في الدنيا والمراد به الخذلان والتخلية‏.‏ وقال ذو النون‏:‏ التمتع أن يقضي العبد ما استطاع من شهوته ‏{‏فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار‏}‏ مرجعكم إليها‏.‏

‏{‏قُل لّعِبَادِيَ الذين ءَامَنُواْ‏}‏ خصهم بالإضافة إليه تشريفاً‏.‏ وبسكون الياء شامي وحمزة وعلي والأعشى ‏{‏يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ‏}‏ المقول محذوف لأن ‏{‏قل‏}‏ تقتضي مقولاً وهو أقيموا وتقديره‏:‏ قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا‏.‏ وقيل إنه أمر وهو المقول والتقدير ليقيموا ولينفقوا، فحذف اللام لدلالة قل عليه، ولو قيل يقيموا الصلاة وينفقوا ابتداء بحذف اللام لم يجز ‏{‏سِرّاً وَعَلاَنِيَةً‏}‏ انتصبا على الحال أي ذوي سر وعلانية يعني مسرين ومعلنين، أو على الظرف أي وقتي سر وعلانية، أو على المصدر أي إنفاق سر وإنفاق علانية، والمعنى إخفاء التطوع وإعلان الواجب ‏{‏مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال‏}‏ أي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة والخلال المخالة، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله‏.‏ بفتحهما‏:‏ مكي وبصري، والباقون بالرفع والتنوين

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 34‏]‏

‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ‏(‏32‏)‏ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ‏(‏33‏)‏ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏الله‏}‏ مبتدأ ‏{‏الذي خَلَقَ السماوات والأرض‏}‏ خبره ‏{‏وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً‏}‏ من السحاب مطراً ‏{‏فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ‏}‏ من الثمرات بيان للرزق أي أخرج به رزقاً هو ثمرات أو ‏{‏من الثمرات‏}‏ مفعول ‏{‏أخرج‏}‏ و‏{‏رزقاً‏}‏ حال من المفعول ‏{‏وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِيَ فِى البحر بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار * وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَائِبَينِ‏}‏ دائمين وهو حال من الشمس والقمر أي يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات ‏{‏وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار‏}‏ يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم ‏{‏وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ‏}‏ «من» للتبعيض أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه، أو وآتاكم من كل شيء سألتموه وما لم تسألوه ف ‏{‏ما‏}‏ موصولة والجملة صفة لها، وحذفت الجملة الثانية لأن الباقي يدل على المحذوف كقوله ‏{‏سرابيل تقيكم الحر‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 81‏]‏ ‏{‏من كلّ‏}‏ ٍ عن أبي عمرو ‏{‏وما سألتموه‏}‏ نفي ومحله النصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه أو «ما» موصولة أي وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال ‏{‏وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا‏}‏ لا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال وأما التفصيل فلا يعلمه إلا الله ‏{‏إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ‏}‏ بظلم النعمة بإغفال شكرها ‏{‏كَفَّارٌ‏}‏ شديد الكفران لها أو ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع والإنسان للجنس فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 37‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ‏(‏35‏)‏ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏36‏)‏ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إبراهيم‏}‏ واذكر إذ قال إبراهيم ‏{‏رَبِّ اجعل هذا البلد‏}‏ أي البلد الحرام ‏{‏آمِناً‏}‏ ذا أمن والفرق بين هذه وبين ما في البقرة أنه قد سأل فيها أن يجعله من جملة البلدان التي يأمن أهلها، وفي الثاني أن يخرجه من صفة الخوف إلى الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمناً ‏{‏واجنبني‏}‏ وبعدني أي ثبتني وأدمني على اجتناب عبادتها كما قال ‏{‏واجعلنا مسلمين لك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 128‏]‏ أي ثبتنا على الإسلام ‏{‏وَبَنِيَّ‏}‏ أراد بنيه من صلبه ‏{‏أَن نَّعْبُدَ الأصنام‏}‏ من أن نعبد الأصنام ‏{‏رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس‏}‏ جعلن مضلات على طريق التسبيب لأن الناس ضلوا بسببهن فكأنهم أضللنهم ‏{‏فَمَن تَبِعَنِي‏}‏ على ملتي وكان حنيفاً مسلماً مثلي ‏{‏فَإِنَّهُ مِنّي‏}‏ أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي ‏{‏وَمَنْ عَصَانِى‏}‏ فيما دون الشرك ‏{‏فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ أو ومن عصاني عصيان شرك فإنك غفور رحيم إن تاب وآمن ‏{‏رَّبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِي‏}‏ بعض أولادي وهم إسماعيل ومن ولد منه ‏{‏بِوَادٍ‏}‏ هو واد مكة ‏{‏غَيْرِ ذِي زَرْعٍ‏}‏ لا يكون فيه شيء من زرع قط ‏{‏عِندَ بَيْتِكَ المحرم‏}‏ هو بيت الله سمي به لأن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعاً يهابه كل جبار، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها، أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه ‏{‏رَّبَّنَا لِيِقُيمُواْ الصلاة‏}‏ اللام متعلقة ب ‏{‏أسكنت‏}‏ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك ‏{‏فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس‏}‏ أفئدة من أفئدة الناس و«من» للتبعيض لما روي عن مجاهد‏:‏ لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند‏.‏ أو للابتداء كقولك‏:‏ «القلب مني سقيم» تريد قلبي فكأنه قيل أفئدة ناس، ونكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير أفئدة لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة ‏{‏تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏}‏ تسرع إليهم من البلاد الشاسعة وتطير نحوهم شوقاً ‏{‏وارزقهم مّنَ الثمرات‏}‏ مع سكناهم وادياً ما فيه شيء منها بأن تجلب إليهم من البلاد الشاسعة ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏}‏ النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات في واد ليس فيه شجر ولا ماء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 39‏]‏

‏{‏رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ‏(‏38‏)‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏رَبَّنَا‏}‏ النداء المكرر دليل التضرع واللجإ إلى الله ‏{‏إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ‏}‏ تعلم السر كما تعلم العلن ‏{‏وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَى الأرض وَلاَ فِي السماء‏}‏ من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم عليه السلام، أو من كلام إبراهيم و«من» للاستغراق كأنه قيل‏:‏ وما يخفى على الله شيء ما ‏{‏الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر‏}‏ «على» بمعنى «مع» وهو في موضع الحال أي وهب لي وأنا كبير ‏{‏إسماعيل وإسحاق‏}‏ روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة‏.‏ ورُوي أنه ولد له إسمعيل لأربع وستين، وإسحاق لتسعين، وإنما ذكر حال الكبر لأن المنة بهبة الولد فيها أعظم لأنها حال وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجل النعم، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم ‏{‏إِنَّ رَبّي لَسَمِيعُ الدعاء‏}‏ مجيب الدعاء من قولك «سمع الملك كلام فلان» إذا تلقاه بالإجابة والقبول، ومنه سمع الله لمن حمده وكان قد دعا ربه وسأله الولد فقال‏:‏ ‏{‏رَبّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين‏}‏ فشكر الله ما أكرمه به من إجابته‏.‏ وإضافة السميع إلى الدعاء من إضافة الصفة إلى مفعولها وأصله «لسميع الدعاء» وقد ذكر سيبويه فعيلاً في جملة أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل كقولك«هذا رحيم أباه»

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 43‏]‏

‏{‏رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ‏(‏40‏)‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ‏(‏41‏)‏ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ‏(‏42‏)‏ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏رَبّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرّيَتِي‏}‏ وبعض ذريتي عطفاً على المنصوب في اجعلني وإنما بعض لأنه علم بأعلام الله أنه يكون في ذريته كفار، عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لا يزال من ولد إبراهيم ناس على الفطرة إلى أن تقوم الساعة ‏{‏رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ‏}‏ بالياء في الوصل والوقف‏:‏ مكي، وافقه أبو عمرو وحمزة في الوصل‏.‏ الباقون بلا ياء أي استجب دعائي أو عبادتي ‏{‏وأعتزلكم وما تدعون من دون الله‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 48‏]‏ ‏{‏رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ‏}‏ أي آدم وحواء أو قاله قبل النهي واليأس عن إيمان أبويه ‏{‏وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب‏}‏ أي يثبت أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً مثل ‏{‏واسأل القرية‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 82‏]‏ ‏{‏وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون‏}‏ تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، والخطاب لغير الرسول عليه السلام وإن كان للرسول فالمراد تثبيته عليه السلام على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً كقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 14‏]‏ ‏{‏وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 88‏]‏ وكما جاء في الأمر ‏{‏يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 136‏]‏ وقيل‏:‏ المراد به الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون لا يخفى عليه منه شيء، وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد كقوله‏:‏ ‏{‏والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 283‏]‏ ‏{‏إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ‏}‏ أي عقوبتهم ‏{‏لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار‏}‏ أي أبصارهم لا تقر في أماكنها من هول ما ترى ‏{‏مُهْطِعِينَ‏}‏ مسرعين إلى الداعي ‏{‏مُقْنِعِي رُؤُوسُِِمْ‏}‏ رافعيها ‏{‏لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ‏}‏ لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم ‏{‏وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ‏}‏ صفر من الخير لا تعي شيئاً من الخوف، والهواء الذي لم تشغله الأجرام فوصف به فقيل‏:‏ قلب فلان هواء إذا كان جباناً لا قوة في قلبه ولا جراءة‏.‏ وقيل‏:‏ جُوف لا عقول لهم

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 48‏]‏

‏{‏وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ‏(‏44‏)‏ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ‏(‏45‏)‏ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ‏(‏46‏)‏ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ‏(‏47‏)‏ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب‏}‏ أي يوم القيامة‏.‏ و‏{‏يوم‏}‏ مفعول ثان ل ‏{‏أنذر‏}‏ لا ظرف إذ الإنذار لا يكون في ذلك اليوم ‏{‏فَيَقُولُ الذين ظَلَمُواْ‏}‏ أي الكفار ‏{‏رَبَّنَا أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل‏}‏ أي ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحدّ من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك فيقال لهم‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ‏}‏ أي حلفتم في الدنيا أنكم إذا متم لا تزالون عن تلك الحالة ولا تنتقلون إلى دار أخرى يعني كفرتم بالبعث كقوله‏:‏ ‏{‏وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 38‏]‏ و‏{‏ما لكم‏}‏ جواب القسم‏.‏ وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله‏:‏ ‏{‏أقسمتم‏}‏ ولو حكى لفظ المقسمين لقيل ما لنا من زوال، أو أريد باليوم يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، أو يوم موتهم معذبين بشدة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى فإنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ربهم إلى أجل قريب‏.‏

يقال‏:‏ سكن الدار وسكن فيها ومنه ‏{‏وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ‏}‏ بالكفر لأن السكنى من السكون وهو اللبث والأصل تعديته ب «في» نحو «قر في الدار وأقام فيها» ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل‏:‏ «سكن الدار» كما قيل «تبوأها»، ويجوز أن يكون سكنوا من السكون أي قروا فيها واطمأنوا طيبي النفوس سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد لا يحدثونها بما لقي الأولون من أيام الله، وكيف كان عاقبة ظلمهم فيعتبروا ويرتدعوا ‏{‏وَتَبَيَّنَ لَكُمْ‏}‏ بالأخبار أو المشاهدة وفاعل ‏{‏تبين‏}‏ مضمر دل عليه الكلام أي تبين لكم حالهم و‏{‏كَيْفَ‏}‏ ليس بفاعل لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وإنما نصب ‏{‏كيف‏}‏ بقوله ‏{‏فَعَلْنَا بِهِمْ‏}‏ أي أهلكناهم وانتقمنا منهم ‏{‏وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال‏}‏ أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم ‏{‏وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ‏}‏ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم وهو ما فعلوه من تأييد الكفر وبطلان الإسلام ‏{‏وَعِندَ الله مَكْرهُمْ‏}‏ وهو مضاف إلى الفاعل كالأول والمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه أو إلى المفعول أي عند الله مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون ‏{‏وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال‏}‏ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية والتقدير‏:‏ وإن وقع مكرهم لزوال أمر النبي صلى الله عليه وسلم فعبر عن النبي عليه السلام بالجبال لعظم شأنه، و«كان تامة» و«إن» نافية واللام مؤكدة لها كقوله ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 33‏]‏ والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتاً وتمكناً دليله قراءة ابن مسعود ‏{‏وما كان مكرهم‏}‏ وبفتح اللام الأولى ورفع الثانية عليُّ، أي وإن كان مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقطع عن أماكنها ف «إن» مخففة من «إن» واللام مؤكدة‏.‏

‏{‏فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ‏}‏ يعني قوله ‏{‏إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 51‏]‏ ‏{‏كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 21‏]‏ ‏{‏مخلف‏}‏ مفعول ثانٍ ل ‏{‏تحسبن‏}‏ وأضاف ‏{‏مخلف‏}‏ إلى ‏{‏وعده‏}‏ وهو المفعول الثاني له والأول ‏{‏رسله‏}‏ والتقدير مخلف رسله وعده وإنما قدم المفعول الثاني على الأول ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله‏:‏ ‏{‏إن الله لا يخلف الميعاد‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 9‏]‏ ثم قال ‏{‏رسله‏}‏ ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته ‏{‏إِنَّ الله عَزِيزٌ‏}‏ غالب لا يماكر ‏{‏ذُو انتقام‏}‏ لأوليائه من أعدائه وانتصاب ‏{‏يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات‏}‏ على الظرف للانتقام أو على إضمار اذكر والمعنى يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضاً أخرى غير هذه المعروفة وتبدل السماوات غير السماوات وإنما حذف لدلالة ما قبله عليه والتبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك «بدلت الدراهم دنانير» وفي الأوصاف كقولك «بدلت الحلقة خاتماً» إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل واختلف في تبديل الأرض والسماوات فقيل تبدل أوصافها وتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هي تلك الأرض وإنما تغير‏.‏ وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبواباً‏.‏ وقيل‏:‏ تخلق بدلها أرض وسماوات أخر‏.‏ وعن ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة‏.‏ وعن علي رضي الله عنه‏:‏ تبدل أرضاً من فضة وسماوات من ذهب ‏{‏وَبَرَزُواْ‏}‏ وخرجوا من قبورهم ‏{‏للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ‏}‏ هو كقوله‏:‏ ‏{‏لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 16‏]‏ لأن الملك إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره كان الأمر في غاية الشدة

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 50‏]‏

‏{‏وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ‏(‏49‏)‏ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏وَتَرَى المجرمين‏}‏ الكافرين ‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ يوم القيامة ‏{‏مُقْرَِّنِينَ‏}‏ قرن بعضهم مع بعض أو مع الشياطين أو قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين ‏{‏فِي الأصفاد‏}‏ متعلق ب ‏{‏مقرنين‏}‏ أي يقرنون في الأصفاد أو غير متعلق به والمعنى مقرنين مصفدين، والأصفاد القيود أو الأغلال ‏{‏سَرَابِيلُهُم‏}‏ قمصهم ‏{‏مّن قَطِرَانٍ‏}‏ هو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فيهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحدته وحره ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل ليجتمع عليهم لذع القطران وحرقته وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله أو أوعد به في الآخرة فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامي والمسميات ثمة نعوذ بالله من سخطه وعذابه من «قِطرٍ آن» زيد عن يعقوب نحاس مذاب بلغ حره إناه ‏{‏وتغشى وُجُوهَهُمُ النار‏}‏ تعلوها باشتعالها وخص الوجه لأنه أعز موضع في ظاهر البدن كالقلب في باطنه ولذا قال ‏{‏تطلع على الأفئدة‏}‏ ‏[‏الهمزة‏:‏ 7‏]‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 52‏]‏

‏{‏لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‏(‏51‏)‏ هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ‏(‏52‏)‏‏}‏

‏{‏لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ‏}‏ أي يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي كل نفس مجرمة ما كسبت أو كل نفس من مجرمة أو مطيعة لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المؤمنين بطاعتهم ‏{‏إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب‏}‏ يحاسب جميع العباد في أسرع من لمح البصر ‏{‏هذا‏}‏ أي ما وصفه في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تحسبن‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏سريع الحساب‏}‏ ‏{‏بلاغ لّلنَّاسِ‏}‏ كفاية في التذكير والموعظة ‏{‏وَلِيُنذَرُواْ بِهِ‏}‏ بهذا البلاغ وهو معطوف على محذوف أي لينصحوا ولينذروا ‏{‏وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ‏}‏ لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد لأن الخشية أم الخير كله ‏{‏وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب‏}‏ ذوو العقول‏.‏

سورة الحجر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ ‏(‏1‏)‏ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏الر تِلْكَ ءايات الكتاب وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏{‏تلك‏}‏ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات والكتاب، والقرآن المبين السورة، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتاباً وأي قرآن مبين كأنه قيل‏:‏ الكتاب الجامع للكمال وللغرابة في البيان ‏{‏رُّبَمَا‏}‏ بالتخفيف‏:‏ مدني وعاصم، وبالتشديد غيرهما، و«ما» هي الكافة لأنها حرف يجر ما بعده، ويختص الاسم النكرة فإذا كفت وقع بعدها الفعل الماضي والاسم‏.‏ وإنما جاز ‏{‏يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ‏}‏ لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل‏:‏ ربما ود، ووداتهم تكون عند النزع أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين، وإذا رأوا المسلمين يخرجون من النار فيتمنى الكافر لو كان مسلماً، كذا رُوى عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏لَوْ كَانُواْ مَسْلِمِينَ‏}‏ حكاية ودادتهم‏.‏ وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم كقولك‏:‏ «حلف بالله ليفعلن» ولو قيل‏:‏ «حلف يالله لأفعلن» و«لو كنا مسلمين» لكان حسناً وإنما قلل ب «رب» لأن أهوال القيامة تشغلهم عن التمني فإذا أفاقوا من سكرات العذاب ودوا لو كانوا مسلمين‏.‏ وقول من قال‏:‏ إن «رب» يعني بها الكثرة سهو لأنه ضد ما يعرفه أهل اللغة لأنها وضعت للتقليل

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 6‏]‏

‏{‏ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ‏(‏3‏)‏ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ‏(‏4‏)‏ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ‏(‏5‏)‏ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏ذَرْهُمْ‏}‏ أمر إهانة أي اقطع طمعك من ارعوائهم ودعهم عن النهي عما هم عليه والصد عنه بالتذكرة والنصيحة وخلهم ‏{‏يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ‏}‏ بدنياهم ‏{‏وَيُلْهِهِمُ الأمل‏}‏ ويشغلهم أملهم وأمانيهم عن الإيمان ‏{‏فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ سوء صنيعهم، وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين‏.‏ ‏{‏وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ‏}‏ ولها كتاب جملة واقعة صفة ل ‏{‏قرية‏}‏ والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في ‏{‏وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 208‏]‏ وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف إذ الصفة ملتصقة بالموصوف بلا واو فجيء بالواو تأكيداً لذلك‏.‏ والوجه أن تكون هذه الجملة حالاً ل ‏{‏قرية‏}‏ لكونها في حكم الموصوفة كأنه قيل‏:‏ وما أهلكنا قرية من القرى لا وصفاً‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كتاب معلوم‏}‏ أي مكتوب معلوم وهو أجلها الذي كتب في اللوح المحفوظ وبين ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏{‏مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا‏}‏ في موضع كتابها ‏{‏وَمَا يَسْتَئَخِرُونَ‏}‏ أي عنه وحذف لأنه معلوم، وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً حملاً على اللفظ والمعنى‏.‏ ‏{‏وَقَالُواْ‏}‏ أي الكفار ‏{‏ياأيها الذى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر‏}‏ أي القرآن ‏{‏إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ‏}‏ يعنون محمداً عليه السلام، وكان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء كما قال فرعون ‏{‏إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 27‏]‏ وكيف يقرون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم سائغ ومنه ‏{‏فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 21‏]‏ ‏{‏إِنَّكَ لاَنتَ الحليم الرشيد‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 87‏]‏ والمعنى إنك لتقول قول المجانين حيث تدعى أن الله نزل عليك الذكر

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 11‏]‏

‏{‏لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏7‏)‏ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ ‏(‏8‏)‏ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ‏(‏9‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ‏(‏10‏)‏ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملئكة إِن كُنتَ مِنَ الصادقين‏}‏ «لو» ركبت مع «لا» و«ما» لامتناع الشيء لوجود غيره أو للتحضيض، و«هل» ركبت مع «لا» للتحضيض فحسب، والمعنى هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك، أو هلا تأتينا بالملائكة للعقاب على تكذيبنا لك إن كنت صادقاً ‏{‏مَا نُنَزِّلُ الملائكة‏}‏ كوفي غير أبي بكر، ‏{‏تُنَزَّل الملائكة‏}‏ أبو بكر ‏{‏تَنَزَّل الملائكة‏}‏ أي تتنزل‏:‏ غيرهم ‏{‏إِلاَّ بالحق‏}‏ إلا تنزيلاً ملتبساً بالحكمة ‏{‏وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ‏}‏ ‏{‏إذا‏}‏ جواب لهم وجزاء الشرط مقدر تقديره‏:‏ ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين إذاً وما أخر عذابهم ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر‏}‏ للقرآن ‏{‏وَإِنَّا لَهُ لحافظون‏}‏ وهو رد لإنكارهم واستهزائهم في قولهم‏:‏ ‏{‏يا أيها الذي نزل عليه الذكر‏}‏ ولذلك قال‏:‏ ‏{‏إنا نحن‏}‏ فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع وأنه هو الذي نزله محفوظاً من الشياطين وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغياً فوقع التحريف، ولم يكل القرآن إلى غير حفظه وقد جعل قوله‏:‏ ‏{‏وإنا له لحافظون‏}‏ دليلاً على أنه منزل من عنده آية إذ لو كان من قول البشر أو غير آية لتطرق عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على كل كلام سواه، أو الضمير في ‏{‏له‏}‏ لرسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله‏:‏ ‏{‏والله يَعْصِمُكَ‏}‏ ‏{‏‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الأولين‏}‏ أي ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً في الفرق الأولين، والشيعة‏:‏ الفرقة إذا اتفقوا على مذهب وطريقة ‏{‏وَمَا يَأْتِيهِم‏}‏ حكاية حال ماضية لأن ما لا تدخل على المضارع إلا وهو في معنى الحال وعلى ماضٍ إلا وهو قريب من الحال ‏{‏مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ‏}‏ يعزي نبيه عليه السلام

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 18‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏12‏)‏ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏13‏)‏ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ‏(‏14‏)‏ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ‏(‏15‏)‏ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ‏(‏16‏)‏ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ‏(‏17‏)‏ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏كذلك نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ‏}‏ أي كما سلكنا الكفر أو الاستهزاء في شيع الأولين نسلكه أي الكفر أو الاستهزاء في قلوب المجرمين من أمتك من اختار ذلك‏.‏ يقال‏:‏ سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته إذا أدخلته فيها وهو حجة على المعتزلة في الأصلح وخلق الأفعال ‏{‏لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏ بالله أو بالذكر وهو حال ‏{‏وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين‏}‏ مضت طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا رسله وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم ‏{‏وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِنَ السمآء‏}‏ ولو أظهرنا لهم أوضح آية وهو فتح باب من السماء ‏{‏فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ‏}‏ يصعدون ‏{‏لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أبصارنا‏}‏ حيرت أو حبست من الإبصار أو من السكر، ‏{‏سكِرت‏}‏ مكي أي حبست كما يحبس النهر من الجري، والمعنى أن هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها ورأوا من العيان ما رأوا لقالوا هو شيء نتخايله لا حقيقة له ولقالوا ‏{‏بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ‏}‏ قد سحرنا محمد بذلك، أو الضمير للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا ذلك‏.‏ وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون وقال‏:‏ إنما ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار ‏{‏وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السمآء‏}‏ خلقنا فيها ‏{‏بُرُوجاً‏}‏ نجوماً أو قصوراً فيها الحرس أو منازل للنجوم ‏{‏وزيناها‏}‏ أي السماء ‏{‏للناظرين وحفظناها‏}‏ أي السماء ‏{‏مِن كُلِّ شيطان رَّجِيمٍ‏}‏ ملعون أو مرمي بالنجوم ‏{‏إِلاَّ مَنِ استرق السمع‏}‏ أي المسموع و«من» في محل النص على الاستثناء ‏{‏فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ‏}‏ نجم ينقض فيعود ‏{‏مُّبِينٌ‏}‏ ظاهر للمبصرين‏.‏ قيل‏:‏ كانوا لا يحجبون عن السماوات كلها فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 22‏]‏

‏{‏وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ‏(‏19‏)‏ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ‏(‏20‏)‏ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ‏(‏21‏)‏ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏والأرض مددناها‏}‏ بسطناها من تحت الكعبة، والجمهور على أنه تعالى مدها على وجه الماء ‏{‏وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي‏}‏ في الأرض جبالاً ثوابت ‏{‏وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ‏}‏ وزن بميزان الحكمة وقدر بمقدار تقتضيه لا تصلح فيه زيادة ولا نقصان، أوله وزن وقدر في أبواب المنفعة والنعمة، أو ما يوزن كالزعفران والذهب والفضة والنحاس والحديد وغيرها، وخص ما يوزن لانتهاء الكيل إلى الوزن ‏{‏وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا‏}‏ في الأرض ‏{‏معايش‏}‏ ما يعاش به من المطاعم جمع معيشة وهي بياء صريحة بخلاف الخبائث ونحوها فإن تصريح الياء فيها خطأ ‏{‏وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين‏}‏ ‏{‏من‏}‏ في محل النصب بالعطف على ‏{‏معايش‏}‏ أو على محل ‏{‏لكم‏}‏ كأنه قيل وجعلنا لكم فيها معايش وجعلنا لكم من لستم له برازقين، أو جعلنا لكم فيها معايش ولمن لستم له برازقين وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين يظنون أنهم يرزقونهم ويخطئون فإن الله هو الرزاق يرزقهم وإياهم، ويدخل فيه الأنعام والدواب ونحو ذلك‏.‏ ولا يجوز أن يكون محل ‏{‏من‏}‏ جراً بالعطف على الضمير المجرور في ‏{‏لكم‏}‏ لأنه لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار ‏{‏وَإِن مِّن شَئ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ‏}‏ ذكر الخزائن تمثيل والمعنى وما من شيء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به، وما نعطيه إلا بمقدار معلوم فضرب الخزائن مثلاً لاقتداره على كل مقدور ‏{‏وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ‏}‏ جمع لاقحة أي وأرسلنا الرياح حوامل بالسحاب لأنها تحمل السحاب في جوفها كأنها لاقحة بها من لقحت الناقة حملت وضدها العقيم‏.‏ ‏{‏الريح‏}‏ حمزة ‏{‏فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ‏}‏ فجعلناه لكم سقياً ‏{‏وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بخازنين‏}‏ نفى عنهم ما اثبته لنفسه في قوله‏:‏ ‏{‏وإن من شيء إلا عندنا خزائنه‏}‏ كأنه قال‏:‏ نحن الخازنون للماء على معنى نحن القادرون على خلقه في السماء وإنزاله منها، وما أنتم عليه بقادرين دلالة عظيمة على قدرته وعجزهم

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 29‏]‏

‏{‏وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ‏(‏23‏)‏ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ‏(‏24‏)‏ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ‏(‏25‏)‏ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ‏(‏26‏)‏ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ‏(‏27‏)‏ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ‏(‏28‏)‏ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيي وَنُمِيتُ‏}‏ أي نحيي بالإيجاد ونميت بالإفناء، أو نميت عند انقضاء الآجال ونحيي لجزاء الأعمال على التقديم والتأخير إذ الواو للجمع المطلق ‏{‏وَنَحْنُ الوارثون‏}‏ الباقون بعد هلاك الخلق كلهم‏.‏ وقيل‏:‏ للباقي وارث استعارة من وارث الميت لأنه يبقى بعد فنائه ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستخرين‏}‏ من تقدم ولادة وموتاً ومن تأخر، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد، أو من تقدم في الإسلام أو في الطاعة أو في صف الجماعة أو في صف الحرب ومن تأخر، ‏{‏وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ‏}‏ أي هو وحده يقدر على حشرهم ويحيط بحصرهم ‏{‏إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‏}‏ باهر الحكمة واسع العلم‏.‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان‏}‏ أي آدم ‏{‏مِن صلصال‏}‏ طين يابس غير مطبوخ ‏{‏مِّنْ حَمَإٍ‏}‏ صفة ‏{‏لصلصال‏}‏ أي خلقه من صلصال كائن من حمإ أي طين أسود متغير ‏{‏مَّسْنُونٍ‏}‏ مصور

وفي الأول كان تراباً فعجن بالماء فصار طيناً فمكث فصار حمأ فخلص فصار سلالة فصوِّر ويبس فصار صلصالاً فلا تناقض ‏{‏والجآن‏}‏ أبا الجن كآدم للناس أو هو إبليس وهو منصوب بفعل مضمر يفسره ‏{‏خلقناه مِن قَبْلُ‏}‏ من قبل آدم ‏{‏مِن نَّارِ السموم‏}‏ من نار الحر الشديد النافذ في المسام‏.‏ قيل‏:‏ هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق الله منها الجان ‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ‏}‏ واذكر وقت قوله ‏{‏للملائكة إِنّى خالق بَشَرًا مِّن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ‏}‏ أتممت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيها ‏{‏وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى‏}‏ وجعلت فيه الروح وأحييته وليس ثمة نفخ وإنما هو تمثيل والإضافة للتخصيص ‏{‏فَقَعُواْ لَهُ ساجدين‏}‏ هو أمر من وقع يقع أي اسقطوا على الأرض يعني اسجدوا له، ودخل الفاء لأنه جواب «إذا» وهو دليل على أنه يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 35‏]‏

‏{‏فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ‏(‏30‏)‏ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ‏(‏31‏)‏ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ‏(‏32‏)‏ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ‏(‏33‏)‏ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ‏(‏34‏)‏ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏}‏ فالملائكة جمع عام محتمل للتخصيص فقطع باب التخصيص بقوله ‏{‏كلهم‏}‏ وذكر الكل احتمل تأويل التفرق فقطعه بقوله ‏{‏أجمعون‏}‏ ‏{‏إِلاَّ إِبْلِيسَ‏}‏ ظاهر الإستثناء يدل على أنه كان من الملائكة لأن المستثنى يكون من جنس المستثنى منه‏.‏ وعن الحسن أن الاستثناء منقطع ولم يكن هو من الملائكة‏.‏ قلنا‏:‏ غير المأمور لا يصير بالترك ملعوناً‏.‏ وفي الكشاف كان بينهم مأموراً معهم بالسجود فغلب اسم الملائكة ثم استثنى بعد التغليب كقولك «رأيتهم إلا هنداً» ‏{‏أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين‏}‏ امتنع أن يكون معهم و‏{‏أبى‏}‏ استئناف على تقدير قول قائل يقول‏:‏ هلا سجد‏؟‏ فقيل‏:‏ أبى ذلك واستكبر عنه‏.‏ وقيل‏:‏ معناه ولكن إبليس أبى‏.‏ ‏{‏قَالَ يا بْلِيسُ مَالَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين‏}‏ حرف الجر مع أن محذوف تقديره مالك في أن لا تكون مع الساجدين أي أي غرض لك في إبائك السجود ‏{‏قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ‏}‏ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني أن أسجد ‏{‏لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ قَالَ فاخرج مِنْهَا‏}‏ من السماء أو من الجنة أو من جملة الملائكة ‏{‏فَإِنَّكَ رَجِيمٌ‏}‏ مطرود من رحمة الله ومعناه ملعون لأن اللعنة هي الطرد من الرحمة والإبعاد منها ‏{‏وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين‏}‏ ضرب يوم الدين حداً للعنة لأنه أبعد غاية يضربها الناس في كلامهم، والمراد به إنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السماوات والأرض إلى يوم الدين من غير أن تعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما ينسى اللعن معه

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 42‏]‏

‏{‏قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏36‏)‏ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ‏(‏37‏)‏ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ‏(‏38‏)‏ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏39‏)‏ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏40‏)‏ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ‏(‏41‏)‏ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى‏}‏ فأخرني ‏{‏إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم‏}‏ ‏{‏يوم الدين‏}‏ و‏{‏يوم يبعثون‏}‏ و‏{‏يوم الوقت المعلوم‏}‏ في معنى واحد، ولكن خولف بين العبارات سلوكاً بالكلام طريقة البلاغة‏.‏ وقيل‏:‏ إنما سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت لأنه لا يموت يوم البعث أحد فلم يجب إلى ذلك وانظر إلى آخر أَيام التكليف ‏{‏قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى‏}‏ الباء للقسم و«ما» مصدرية وجواب القسم لأزينن لهم ومعنى أقسم بإغوائك إياي ‏{‏لازَيِّنَنَّ لَهُمْ‏}‏ المعاصي ونحو قوله ‏{‏بما أغويتني لأزينن لهم‏}‏ ‏{‏فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 82‏]‏ في أنه إقسام إلا أن أحدهما إقسام بصفه الذات والثاني بصفة الفعل، وقد فرق الفقهاء بينهما فقال العراقيون‏:‏ الحلف بصفة الذات كالقدرة والعظمة والعزة يمين، والحلف بصفة الفعل كالرحمة والسخط ليس بيمين‏.‏ والأصح أن الأيمان مبنية على العرف فما تعارف الناس الحلف به يكون يميناً ومالاً فلا، والآية حجة على المعتزلة في خلق الأفعال‏.‏ وحملهم على التسبيب عدول عن الظاهر ‏{‏فِى الأرض‏}‏ في الدنيا التي هي دار الغرور، وأراد إني أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة وهو في السماء فأنا على التزيين لأولاده في الأرض أقدر‏.‏ ‏{‏وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين‏}‏ وبكسر اللام‏:‏ بصري ومكي وشامي استثنى المخلص لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلونه منه‏.‏ ‏{‏قَالَ هَذَا صراط عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين‏}‏ أي هذا طريق حق عليَّ أن أراعيه وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادي إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏على‏}‏ إلي‏.‏ ‏{‏على‏}‏ يعقوب من علو الشرف والفضل

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 48‏]‏

‏{‏وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏43‏)‏ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ‏(‏44‏)‏ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ‏(‏45‏)‏ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ ‏(‏46‏)‏ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ‏(‏47‏)‏ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ الضمير للغاوين ‏{‏لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ‏}‏ من أتباع إبليس ‏{‏جُزْءٌ مَّقْسُومٌ‏}‏ نصيب معلوم مفرز‏.‏ قيل‏:‏ أبواب النار أطباقها وأدراكها، فأعلاها للموحدين يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين ‏{‏إِنَّ المتقين فِى جنات وَعُيُونٍ‏}‏ وبضم العين‏:‏ مدني وبصري وحفص‏.‏ المتقي على الإطلاق من يتقي ما يجب اتقاؤه مما نهى عنه‏.‏ وقال في الشرح‏:‏ إن دخل أهل الكبائر في قوله ‏{‏لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم‏}‏ فالمراد بالمتقين الذين اتقوا الكبائر وإلا فالمراد به الذين اتقوا الشرك ‏{‏ادخلوها‏}‏ أي يقال لهم ادخلوها ‏{‏بِسَلامٍ‏}‏ حال أي سالمين أو مسلماً عليكم تسلم عليكم الملائكة ‏{‏ءَامِنِينَ‏}‏ من الخروج منهما والآفات فيها وهو حال أخرى ‏{‏وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ‏}‏ وهو الحقد الكامن في القلب أي إن كان لأحدهم غل في الدنيا على آخر نزع الله ذلك في الجنة من قلوبهم وطيب نفوسهم‏.‏ وعن علي رضي الله عنه‏:‏ أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم‏.‏ وقيل‏:‏ معناه طهر الله قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة ونزع منها كل غل وألقى فيها التوادد والتحابب ‏{‏إِخْوَانًا‏}‏ حال ‏{‏على سُرُرٍ متقابلين‏}‏ كذلك قيل تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين يرى بعضهم بعضاً ‏{‏لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ‏}‏ في الجنة تعب ‏{‏وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ‏}‏ فتمام النعمة بالخلود، ولما أتم ذكر الوعد والوعيد أتبعه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 54‏]‏

‏{‏نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏(‏49‏)‏ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ‏(‏50‏)‏ وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ‏(‏51‏)‏ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ‏(‏52‏)‏ قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ‏(‏53‏)‏ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ‏(‏54‏)‏‏}‏

‏{‏نَبِّئ عِبَادِى أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم‏}‏ تقريراً لما ذكر وتمكيناً له في النفوس‏.‏ قال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه في العبادة ولما أقدم على ذنب ‏"‏ وعطف ‏{‏وَنَبِّئْهُمْ‏}‏ وأخبر أمتك‏.‏ عطفه على ‏{‏نبئ عبادي‏}‏ ليتخذوا ما أحل من العذاب بقوم لوط عبرة يعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين ويتحققوا عنده أن عذابه هو العذاب الأليم ‏{‏عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ‏}‏ أي أضيافه وهو جبريل عليه السلام مع أحد عشر ملكاً، والضيف يجئ واحداً وجمعاً لأنه مصدر ضافه ‏{‏إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا‏}‏ أي نسلم عليك سلاماً أو سلمنا سلاماً ‏{‏قَالَ‏}‏ أي إبراهيم ‏{‏إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ‏}‏ خائفون لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وبغير وقت ‏{‏قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ‏}‏ لا تخف ‏{‏إِنَّا نُبَشِّرُكَ‏}‏ استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل أي إنك مبشر آمن فلا توجل‏.‏ وبالتخفيف وفتح النون‏:‏ حمزة ‏{‏بغلام عَلِيمٍ‏}‏ هو إسحاق لقوله في سورة هود ‏{‏فبشرناها بإسحاق‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 71‏]‏ ‏{‏قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى على أَن مَّسَّنِىَ الكبر‏}‏ أي أبشرتموني مع مس الكبر بأن يولد لي أي إن الولادة أمر مستنكر عادة مع الكبر ‏{‏فَبِمَ تُبَشِّرُونَ‏}‏ هي «ما» الاستفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قيل‏:‏ فبأي أعجوبة تبشرون، وبكسر النون والتشديد‏:‏ مكي، والأصل «تبشرونني» فأدغم نون الجمع في نون العماد ثم حذفت الياء وبقيت الكسرة دليلاً عليها‏.‏ ‏{‏تبشرون‏}‏ بالتخفيف‏:‏ نافع، والأصل «تبشرونني» فحذفت الياء اجتزاء بالكسرة وحذف نون الجمع لاجتماع النونين، والباقون‏:‏ بفتح النون، وحذف المفعول والنون نون الجمع

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 60‏]‏

‏{‏قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ ‏(‏55‏)‏ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ‏(‏56‏)‏ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ‏(‏57‏)‏ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ‏(‏58‏)‏ إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏59‏)‏ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ بشرناك بالحق‏}‏ باليقين الذي لا لبس فيه ‏{‏فَلاَ تَكُن مّنَ القانطين‏}‏ من الآيسين من ذلك ‏{‏قَالَ‏}‏ أي إبراهيم ‏{‏وَمَن يَقْنَطُ‏}‏ وبكسر النون‏:‏ بصري وعلي ‏{‏مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون‏}‏ إلا المخطئون طريق الصواب أو إلا الكافرون كقوله‏:‏ ‏{‏إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 87‏]‏ أي لم أستنكر ذلك قنوطاً من رحمته ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها‏.‏ ‏{‏قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ‏}‏ فما شأنكم ‏{‏أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ‏}‏ أي قوم لوط ‏{‏إِلآ ءَالَ لُوطٍ‏}‏ يريد أهله المؤمنين، والاستثناء منقطع لأن القوم موصوفون بالإجرام والمستثني ليس كذلك، أو متصل فيكون استثناء من الضمير في ‏{‏مجرمين‏}‏ كأنه قيل‏:‏ إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم، والمعنى يختلف باختلاف الاستثناءين لأن آل لوط مخرجون في المنقطع من حكم الإرسال يعنى أنهم ارسلوا إلى القوم المجرمين خاصة ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلاً، ومعنى ارسالهم إلى القوم المجرمين كإرسال السهم إلى المرمى في أنه في معنى التعذيب والإهلاك كأنه قيل‏:‏ إنا أهلكنا قوماً مجرمين ولكن آل لوط أنجيناهم‏.‏ وأما في المتصل فهم داخلون في حكم الإرسال يعني أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء‏.‏ وإذا انقطع الاستثناء جرى ‏{‏إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ مجرى خبر لكن في الاتصال بآل لوط لأن المعنى‏.‏ لكن آل لوط منجون، وإذا اتصل كان كلاماً مستأنفاً كأن إبراهيم عليه السلام قال لهم‏:‏ فما حال آل لوط‏؟‏ فقالوا‏:‏ إنا لمنجوهم ‏{‏إِلاَّ امرأته‏}‏ مستثنى من الضمير المجرور في ‏{‏لمنجوهم‏}‏ وليس باستثناء من الاستثناء، لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه بأن يقول «أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته» وهنا قد اختلف الحكمان لأن إلا آل لوط متعلق ب ‏{‏أرسلنا‏}‏ أو ب ‏{‏مجرمين‏}‏ و‏{‏إلا امرأته‏}‏ متعلق ب ‏{‏منجوهم‏}‏ فكيف يكون استثناء من استثناء‏.‏ ‏{‏لمنجوهم‏}‏ بالتخفيف‏:‏ حمزة وعلي ‏{‏قَدَّرْنَآ‏}‏ وبالتخفيف‏:‏ أبو بكر ‏{‏إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين‏}‏ الباقين في العذاب‏.‏ قيل‏:‏ لو لم تكن اللام في خبرها لوجب فتح «إن» لأنه مع اسمه وخبره مفعول ‏{‏قدرنا‏}‏ ولكنه كقوله ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ‏}‏ ‏{‏الصافات‏:‏ 158‏)‏ وإنما أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم ولم يقولوا قدر الله لقربهم كما يقول خاصة الملك أمرنا بكذا والآمر هو الملك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 66‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ‏(‏61‏)‏ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ‏(‏62‏)‏ قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ‏(‏63‏)‏ وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ‏(‏64‏)‏ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ‏(‏65‏)‏ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ‏(‏66‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ المرسلون قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ‏}‏ أي لا أعرفكم أي ليس عليكم زي السفر ولا أنتم من أهل الحضر فأخاف أن تطرقوني بشر ‏{‏قَالُواْ بَلْ جئناك بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ‏}‏ أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بما فيه سرورك وتشفيك من أعدائك وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله فيمترون فيه أي يشكون ويكذبونك ‏{‏وأتيناك بالحق‏}‏ باليقين من عذابهم ‏{‏وِإِنَّا لصادقون‏}‏ في الإخبار بنزوله بهم ‏{‏فَأْسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ‏}‏ في آخر الليل أو بعد ما يمضي شيء صالح من الليل ‏{‏واتبع أدبارهم‏}‏ وسر خلفهم لتكون مطلعاً عليهم وعلى أحوالهم ‏{‏وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ‏}‏ لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم، أو جعل النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف لأن من يلتفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة ‏{‏وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ‏}‏ حيث أمركم الله بالمضي إليه وهو الشام أو مصر ‏{‏وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر‏}‏ عدى ‏{‏قضينا‏}‏ ب «إلى» لأنه ضمن معنى أوحينا كأنه قيل‏:‏ وأوحينا إليه مقضياً مبتوتاً، وفسر ذلك الأمر بقوله ‏{‏أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْءِ مَقْطُوعٌ‏}‏ وفي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر ودابرهم آخرهم أي يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد ‏{‏مُّصْبِحِينَ‏}‏ وقت دخولهم في الصبح وهو حال من ‏{‏هؤلاء‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏67- 72‏]‏

‏{‏وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ‏(‏67‏)‏ قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ ‏(‏68‏)‏ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ‏(‏69‏)‏ قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ ‏(‏70‏)‏ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ‏(‏71‏)‏ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏72‏)‏‏}‏

‏{‏وَجَآءَ أَهْلُ المدينة‏}‏ سدوم التي ضرب بقاضيها المثل في الجور ‏{‏يَسْتَبْشِرُونَ‏}‏ بالملائكة طمعاً منهم في ركوب الفاحشة ‏{‏قَالَ‏}‏ لوط ‏{‏إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ‏}‏ بفضيحة ضيفي لأن من أساء إلى ضيفي فقد أساء إليّ ‏{‏واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ‏}‏ أي ولا تذلوني بإذلال ضيفي من الخزي وهو الهوان‏.‏ وبالياء فيهما‏:‏ بعقوب ‏{‏قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين‏}‏ عن أن تجير منهم أحداً أو تدفع عنهم فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحد، وكان عليه السلام يقوم بالنهي عن المنكر والحجز بينهم وبين المتعرض له فأوعدوه وقالوا ‏{‏لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط لَتَكُونَنَّ مِنَ المخرجين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 167‏]‏ أو عن ضيافة الغرباء ‏{‏قَالَ هؤلاءآء بَنَاتِى‏}‏ فانكحوهن وكان نكاح المؤمنات من الكفار جائزاً ولا تتعرضوا لهم ‏{‏إِن كُنتُمْ فاعلين‏}‏ إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما حرم فقالت الملائكة للوط عليه السلام ‏{‏لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ‏}‏ أي في غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين الخطإ الذي هم عليه وبين الصواب الذي تشير به عليهم من ترك البنين إلى البنات ‏{‏يَعْمَهُونَ‏}‏ يتحيرون فيكيف يقبلون قولك ويصغون إلى نصيحتك، أو الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط تعظيماً له‏.‏ والعُمر والعَمر واحد وهو البقاء إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح إيثاراً للأخف لكثرة دور الحلف على ألسنتهم ولذا حذفوا الخبر وتقديره لعمرك قسمي